خليل الصفدي

160

أعيان العصر وأعوان النصر

وبين القاضي شرف الدين النهاوندي « 1 » ، وغيره ، وقرروا الأمر مع النائب إلى أن قطع الشيخ نجم الدين من التوقيع ، وبقي بيده خطابة الجامع الأموي ثم إنهم صادروه حتى توجه خفية إلى دمشق ، وكان الأمير سيف الدين بلبان بدمشق مشد الدواوين ، وهو يعرفه من صفد فاستخدمه موقعا بدمشق ، وكتب قدامه ، وكان القاضي محيي الدين بن فضل اللّه يأمن إليه ، ويقدمه ، ويستكتبه في السر ، وغيره ، وأضيف إليه خطابة جامع جراح بدمشق . ولما تولى الأمير سيف الدين كراي نيابة دمشق كان يعرفه من صفد ، ويركن إلى أمانته ، وعفته ، فقلده الأمر ، وغدقه به فتعب بذلك تعبا مفرطا ، ونصح مخدومه فكان لا يعلم لا من يده فعادى الدماشقة ، ومقتوه ، ولما أمسك كراي اختفى ، وسلمه اللّه منهم لما سلكه من الأمانة ، والعفة . أخبرني من لفظه قال : رددت ليلة مائتي دينار ، ورهنا تلك الليلة طاسة على زيت القنديل . ولما حضر الأمير جمال الدين نائب الكرك إلى دمشق أغروه به ، وأرادوا منه الإيقاع به فقال : أخذ لأحد شيئا فقالوا : لا ، قال : فما أصنع به إذا نصح لمخدومه . ثم إنه جهز إلى صفد خطيبا ، وموقعا ، وكان زين الدين بن حلاوات قد انفرد بالأمر ، وتمكن من نواب صفد ، ودخل إلى النائب ، وقرر معه ما أراد فلم يمكنه من مباشرة شيء فبقي في صفد إلى أن حضر له توقيع ثان ، وكلما حضر له توقيع عطله إلى أن أشركوا بينهما في التوقيع ، والخطابة فأقاما مدة فوقع بينهما فطلبا إلى دمشق ، وقرر الأمير سيف الدين تنكز أن يخيرا ، وينفرد كل واحد بوظيفة فاختار الشيخ نجم الدين خطابة القلعة ، والمدينة ، واستقر زين الدين بن حلاوات في التوقيع فأقام يخطب ، ويشغل الناس تبرعا ، وتخرج به جماعة فضلاء ، وقل من قرأ عليه ، ولم ينبه ، ولم أر مثله في مبادئ التعليم كان يفتق أذن المشتغل ، ويوضح له طرق الاشتغال ، ولم أر مثله في تنزيل قواعد النحو على قواعد المنطق ، وكان يحب إفساد الحدود ، والمؤاخذة فيها ، والرد عليها ، والجواب عنها . وممن قرأ عليه أولا العلامة القاضي فخر الدين المصري « 2 » ، وغيره . وكان لي منه - رحمه اللّه تعالى - نصيب ، وافر من المحبة ، وكنت أجد منه حنوا كثيرا ، وبرا ، ولم أقرأ على أحد قبله ، وكان شديد المحبة لأصحابه شغوفا عليهم صادق اللهجة مفرط الكرم ، وكانت بينه وبين الشيخ صدر الدين قرابة ، وكان هشا بشا بساما ، وعمته مليحة ، ولم أر أعف يدا ، ولا فرجا منه ، وكان خطه مليحا ، ونظمه سريعا ، ونظمه أرشق

--> ( 1 ) أورد له المصنف ترجمة . ( 2 ) القاضي فخر الدين المصري هو : محمد بن علي بن عبد الكريم ، أورد له المصنف ترجمة .